هل الأحلام التحذيرية حقيقية أم مجرد أساطير؟

الأحلام التحذيرية
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

إنها ظاهرة مزعجة معروفة منذ فجر التاريخ.. الأحلام التحذيرية التي تُخبرنا عن مستقبلنا ليست بأساطير؛ بل إنها نتاج واحدة من أكثر ملَكات عقولنا روعةً.
نحن في الولايات المتحدة، في خمسينيات القرن الحالي. لقد قضى المجتمع على الجريمة بفضل نظام منع مذهل ومتطور. ثلاثة وسطاء شباب مغمورون في حمام سباحة طوال الليل والنهار، وبالتالي فهم معزولون تماماً عن العالم الخارجي، وهم متصلون بحواسيب تصوّر أحلامهم.

ما يميزهم أنهم لا يحلمون إلا بجرائم القتل.. إن الصور المسجلة لأحلامهم الكابوسية، عند ترتيبها وتحليلها، تمكننا من اكتشاف عناصر معينة حول الجرائم القادمة. إن فيلم "تقرير الأقلية" (Minority Report) للمخرج سبيلبرغ هو بالتأكيد مغامرة خيال علمي رائعة؛ ولكنه لا يخلو من الأساس الصحيح.

هل الأحلام التحذيرية مستحيلة التحقق؟ ليس بالضرورة. لم تؤمن المحللة النفسية ومتّبعة المذهب العقلاني، جين ماري، بهذه الظواهر الغريبة على الإطلاق، حتى اليوم - أو بالأحرى الليلة - الذي حلمت فيه أن أختها تعرضت لحادث سيارة عند تقاطع طرق سان جان.

فكرت في هذا الحلم غير السار، متسائلة لماذا، عن غير وعي، كانت مستاءة من أختها لدرجة أنها كانت تتمنى موتها؛ ولكن بعد ثلاثة أيام، وقع الحادث؛ والذي لم يكن خطيراً لحسن الحظ، عند مفترق طرق سان جان. أيُّ الأختين تعرضت لصدمة نفسية أكبر؟ جين ماري بالطبع!

ولهذا السبب، فإن الأحلام التي تُعلن عن الأحداث المستقبلية قد سجلها الآلاف عبر التاريخ، مهما كانت الحقبة أو الحضارة التي ينتمون إليها. وعلى عكس الأحلام "العادية"؛ تحتوي هذه الأحلام الخاصة على معلومات غير رمزية "تفسر نفسها بنفسها"؛ حيث تكون الصور أكثر وضوحاً، و"حقيقية" أكثر منها في الحلم المعتاد وغير متخفية، لذلك لا تحتاج إلى تحليل لفهمها.

هل يمكن للمنطق أن يفسر كل شيء؟

منذ نشأة علم التخاطر العلمي في نهاية القرن التاسع عشر، حاول الباحثون اكتشاف ما إذا كان هذا النوع من التحذير ليس نتيجة لعملية "المنطق اللاواعي" - أي نتيجة بناء الدماغ لحدث تكون علاماته التحذيرية غير ملموسة في العادة.

في الواقع؛ إن الدماغ قادر على تسجيل مجموع هائل من التفاصيل الصغيرة دون معرفتنا؛ والتي تضيع في كتلة المعلومات الخارجية: أصوات غير مسموعة، صور عابرة، أفكار غير منطوقة، اهتزازات دقيقة، روائح.. إلخ. ثم يقوم الدماغ أثناء النوم بفرز المعلومات وتصنيفها، ويؤسس العلاقات المتبادلة بينها؛ وبالتالي يُمكنه التنبؤ بالأحداث التي يتعذّر علينا الوصول إلى منطقها في حالة اليقظة. هذا يُمكن أن يفسر بشكل فعال - قد يكون مغلوطاً - الطبيعة التحذيرية لأحلام معينة.

تختلف المشكلة تماماً عندما يقدم الحلم معلومات دقيقة للغاية لا يمكن لأحد أن يعرفها؛ مثل القصة التي يرويها رسام الرسوم الكرتونية فريد (مؤلف السلسلة الهزلي "مغامرات فيلومينون"): "بعد تعرضي لحادث سير، تركت سيارتي مع صديق ميكانيكي، وطلبت منه أن يرسل لي الفاتورة في أسرع وقت ممكن. وفي الليلة ذاتها، حلمت أن المبلغ هو 1511.22 يورو.

كان هذا الحلم قوياً جداً لدرجة أنني أخبرت زوجتي به في صباح اليوم التالي. وبعد أسبوع، كان صديقي لم يعرف بعد كلفة الإصلاحات. وبعد أسبوعين، تلقيت فاتورة بمبلغ… 1511.22 يورو، تماماً كما رأيت في حلمي!". من الصعب تطبيق تفسير المنطق اللاواعي في هذه الحالة بالتحديد.

أحلام تحذيرية محفزة مخبرياً

بعد تحليل آلاف الحالات العفوية، أراد الباحثون إثبات وجود هذه التحذيرات بشكل علمي. وكي يتمكنوا من فعل ذلك؛ كان عليهم تحفيزها! وعلى مدار 40 عاماً، تم إجراء عدد كبير من التجارب في المختبرات.

تم إجراء أشهر هذه التجارب في أواخر السبعينيات من قبل الدكتور مونتاج أولمان؛ الذي كان حينها مدير قسم الطب النفسي في مستشفى مايمونيدس في نيويورك. المبدأ الذي قامت عليه التجربة: بينما ينام طالب متطوع متصل بجهاز تخطيط كهربية الدماغ في غرفة عازلة للصوت، يُراقب المشرف على التجربة مراحل نوم الطالب في غرفة مجاورة. بمجرد أن يكتشف المشرف فترة "نوم متناقض"، يدع الطالب يحلم لمدة عشر دقائق، ثم يوقظه ليطلب منه أن يروي بالتفصيل ما "رآه"، ويتم تدوين الأحلام طوال الليل.

تستمر التجربة في صباح اليوم التالي، عندما يرسل باحث آخر ذهنياً صورة تم اختيارها عشوائياً من جهاز كمبيوتر إلى الطالب. إذا ظهر أن أحد الأحلام يحتوي على هذه الصورة، يستنتج الباحثون أن هناك حلماً تحذيرياً. أسفرت هذه التجارب عن نتائج إيجابية بشكل مدهش وتم تكرارها عدة مرات.

فيزياء الكم تتحدى مفاهيمنا عن الوقت

إذا كانت الأحلام التحذيرية ما هي عليه حقاً؛ أي أنها تحتوي معلومات عن المستقبل، فإن وجودها يقوّض بشكل خطير مفهومنا الخطي للزمكان. ومع ذلك، فإن فيزياء الكم - دراسة الجسيمات دون الذرية، من بين أمور أخرى - قد قلبت بالفعل معتقداتنا حول كيفية عمل الكون والوعي. خاصةً منذ اليوم الذي أثبت فيه الفيزيائي الفرنسي آلان أسبكت، في عام 1982، أن المعلومات يمكن أن تنتقل بين جسيمين بسرعات أكبر من سرعة الضوء؛ وبالتالي عكس الزمن!

منذ ذلك الحين؛ حاول العديد من العلماء الآخرين، وما زالوا يحاولون، حل هذا اللغز. وقد توصلوا جميعاً إلى نفس النتيجة: الوقت غير القابل للتغيير والذي يمر حتماً يوماً بعد يوم؛ أي زمننا باختصار، ليس الشكل الوحيد للوقت الذي يحكم الكون...

إذا كانت الأحلام التحذيرية تقدم معلومات عن المستقبل، فهل يمكنها منع وقوع الكوارث أو المساعدة في إيقاف الجرائم، كما في فيلم سبيلبرغ؟ في الستينيات، أسس الطبيب النفسي البريطاني جون باركر سجل الهواجس المركزي لمحاولة الإجابة على هذا السؤال.

خلال ثلاثين عاماً من النشاط تلقى الآلاف من الإفادات؛ لكنه اضطر إلى استنتاج أن الحلم الهاجسي يظهر بشكل عام في اليومين أو الأربعة أيام التي تسبق الحدث. بحلول وقت تلقي المعلومات وتحليلها، يكون الأوان قد فات...

آفاق مستقبلية

هل يوجد فائدة من الأحلام التحذيرية؟ "نعم، إن تطوير هذه الموهبة الخفية؛ والتي هي أشبه بالحدس، يعود بفوائد جمة"، كما تقول كريستين هاردي؛ الحائزة على شهادة الدكتوراه في العلوم الإنسانية، والتي نشرت مؤخراً كتاباً بعنوان "عقلك هو الشافي" ( “Votre esprit est guérisseur” (Editions du Dauphin)). وتقول: "إحدى الفوائد الرئيسية للاستماع إلى أحلامك دون أي تصورات مسبقة -أي الاعتراف بإمكانية الحصول على معلومات حول المستقبل- هي أن يكون لديك منظور حول مستقبلك. هذا يسمح بتجربة الحياة بكثافة أكبر. هذا هو السؤال المطلق عن انفتاح الوعي: كلما سمحت لعقلك اللاواعي بالتعبير عن نفسه بحرية، زادت قدرتك على استكشاف ثرواتك الداخلية".

ومع ذلك، فإن انفتاح وعي المرء يتطلب تشكيكه في معتقداته وقبوله أن عقلنا -الذي لا يزال لغزاً عصياً على العلم- قد يحمل مواهب لا تصدق؛ لكنها طبيعية جداً.

عندما يحين الوقت

كتب روديارد كيبلينج؛ مؤلف كتاب "كتاب الأدغال" (Jungle Book)، ومتبع المذهب العقلاني، في "ذكرياته": "ذات مرة، كنت متأكداً من أنني قد تجاوزت الحدود التي حددها القدر".

يقول إنه رأى نفسه في المنام مرتدياً بزة لم يرتدِ مثلها أبداً، واقفاً في غرفة كبيرة مرصوفة بأحجار بلاطات متصدعة. كان وسط صف من الناس يرتدون نفس ملابسه، وخلفهم حشد. وعلى يساره كانت تُقام مراسم لم يستطع رؤيتها بسبب بطن مُجاوره الكبير جداً، ثم تفرق الحشد. عندها أخذ أحدهم ذراعه وقال له: "أود أن أقول لك كلمة واحدة".

كان كيبلينج منزعجاً من هذا الحلم الواضح للغاية، وفكر فيه كثيراً دون أن يفهم معناه. بعد شهرين، حضر حفلاً في منطقة "ويستمنستر آبي". كل شيء كان هناك: الزي الغريب، صف الناس، الحشد، أحجار الرصف القديمة... وبطن جاره الكبير على يساره؛ والذي منعه من رؤية المراسم!

في النهاية؛ وضع أحدهم يده على ذراعه وقال: "أود أن أقول كلمة لك من فضلك". في ختام قصته؛ يضيف الكاتب: "ولكن كيف ولماذا أُعطيت لي الفرصة لأرى ما يشبه مشهداً طويلاً من الفيلم الذي هو حياتي؟".

السينما

هل يُشبه الأمر فيلم إثارة خيالي؟

إن فيلم "تقرير الأقلية مُقتبس بأمانة عن قصة قصيرة كتبها فيليب ك. ديك ونُشرت عام 1956، وإن فيلم سبيلبرغ ليس مجرد فيلم إثارة وخيال علمي يتحدث عن المستقبل؛ حيث يواجه البطل -الذي لعب دوره توم كروز- هواجس الوسطاء الشباب وعالمه الداخلي؛ ما يُجبره على حل الأسئلة الكبيرة التي نطرحها على أنفسنا جميعاُ في مواجهة مصيرنا: هل مستقبلنا مكتوب علينا؟ هل يمكننا التأثير عليه؟ ما هي إرادتنا الحرة؟

تصبح هذه الأسئلة أكثر إثارة للقلق بينما تتوافق عناصر سيناريو الأحلام التحذيرية بالضبط مع الملاحظات والتجارب التي أجراها باحثو علم التخاطر على مدار الأعوام العشرين الماضية.