ما أهمية مخيلة الطفل في نموه وتطور شخصيته؟

مخيلة الطفل
(مصدر الصورة: نفسيتي، تصميم: إيناس غانم)
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

ملخص: إذا كانت شخصيات الجنية الطيبة أو الساحرة الشريرة أو الذئب الشره أو الملك العادل غير حقيقية، فإنها تساعد الطفل رغم ذلك على ترتيب أفكاره وعواطفه، وتجسيد رغباته الجامحة ودوافعه المدمرة ومخاوفه والمطالبات التي يمليها عليه ضميره. ففي قصة “عقلة الإصبع” (Tom Thumb) مثلاً، يتعلم أن التمتع بالاستقلالية والتغلب على قلق الانفصال يعني أنه ستتعين عليه بالمقابل مواجهة الكثير من الأخطار. قد يبدو ذلك غريباً لكن مخيلة الطفل والعالم الخيالي الذي يبتكره مهم لنموه وتطوره، فكيف ذلك؟ يجيبنا عن هذا السؤال كل من مختصة التحليل النفسي إيتي بوزان (Etty Buzyn) ومختص علم النفس باسكال روزفلتر (Pascale Rosfelter).
يعتقد الأطفال بوجود بابا نويل أو سانتا كلوز (Santa Claus) ويبتكرون أصدقاء خياليين ويخافون من الوحوش التي تختبئ تحت أسرّتهم. قد يبدو ذلك غريباً لكن هذا العالم الخيالي الذي يبتكرونه مهم جداً لنموهم وتطورهم، فكيف ذلك؟

يجيبنا عن هذا السؤال كل من مختصة التحليل النفسي إيتي بوزان ومختص علم النفس باسكال روزفلتر.

كيف يبدأ الطفل بالتخيل؟

باسكال روزفلتر: “تظهر أولى علامات التخيل لدى الطفل الرضيع في مرحلة مبكرة جداً، وذلك عندما يتخيل وجود أمه معه ويناغي نفسه. يستخدم الطفل حديث الولادة بكاءه ليستحضر والدته عندما يكون جائعاً؛ إذ إنه يربط بين وجودها والذكرى الأولى للرضا الذي منحه إياه الشعور بالشبع، ومع تكرار هذه التجربة السارّة تنشأ لديه ثقة بوالدته ويعرف أنها حتى لو تأخرت أحياناً فإنها ستأتي في النهاية. ولأنه يشعر بهذا الأمان في داخله، فإن بإمكانه انتظارها وإطلاق العنان لمخيلته في هذه الأثناء ليتصور وجودها ويناغي نفسه بسعادة تماماً كما يفعل عندما تكون معه”.

إيتي بوزان: “من الملاحَظ أن الخيال لدى الطفل لا ينشأ إلا في حالة شعوره بنوع من الإحباط، ووجود فجوة لديه بين الحاجة وإشباعها. عندما تلبَّى احتياجات الطفل على الفور دائماً فإنه لن يكون مضطراً إلى التفكير فيها ومن ثم تخيّل حلول لتلبيتها، ويمكن أن يؤدي ذلك إلى حرمانه من المساحة اللازمة ليتذوق رغبته ويطور قدرته على خلق تخيلات مرتبطة بها. وعلى العكس من ذلك، يمكن للإحباط المفرط أن يغرقه في اليأس إلى درجة فقدان الرغبة في الحياة”.

يبدو بعض الأطفال أحياناً أسيراً لخياله، فهل يدعو هذا إلى القلق؟

باسكال روزفلتر: “عندما يشعر الأطفال بالحزن فإنهم يحاولون تخيل كل ما يفتقرون إليه، ولذلك يتخيل أغلب الأطفال عندما يشعرون بالإحباط من آبائهم بأن هؤلاء ليسوا آباءهم الحقيقيين، وهو سلوك طبيعي وطريقة مؤقتة للربط بين الحياة كما بدؤوا يدركونها وبين ما يتمنون أن تكون عليه؛ حيث يتخيلون أنفسهم أطفالاً سعيدين مع آباء لا يرفضون لهم طلباً. لكن عندما يبتكر طفل وحيد نوعاً ما صديقاً خيالياً فعلى الأبوين الانتباه إلى أنه لا يحاول تجميل الواقع بقدر ما يرغب في التغلب على وحدته، ومن ثم فإن عليهما مساعدته على ذلك”.

إيتي بوزان: “من جهة أخرى، تتيح لعبة التخيل للطفل تقبّل الأزمات التي قد يواجهها، والعمل على ابتكار حلول لها من خلال استكشاف عدة استراتيجيات في مخيلته؛ ومنها تقمص أدوار البالغين وتخيّل نفسه في المستقبل. وتتيح له عملية التقمص هذه التفكير فيما يرغب أن يكون عليه ومقارنته بما هو عليه الآن بالفعل، وعلى هذا النحو فإن ما يدور في مخيلته قد لا يكون حقيقياً لكن لا شك في أن له دوراً إيجابياً في حياته؛ إذ يساعده على اكتشاف الذات واكتساب الثقة بالنفس والتمتع بقدرٍ من الاستقلالية. عندما لا يلعب الطفل لعبة التخيل مطلقاً فإن ذلك مدعاة للقلق، لأنه يعني أن الواقع يخيفه أو يخيب أمله إلى درجة أنه لم يعد قادراً على مواجهته بخياله”.

كيف يمكننا تحفيز مخيلة الطفل؟

باسكال روزفلتر: “في الحقيقة، أنا لا أحبذ مفهوم التحفيز لأننا لا نحاول دفع الطفل إلى تحسين أدائه، فليس الهدف من تنمية خياله أن يصبح أكثر إبداعاً من زملائه في الفصل بل أن يتمكن من إدراك رغبته والعثور على الوسائل المناسبة للتعبير عنها، ويمكن للآباء والأمهات مساعدته على ذلك من خلال سرد القصص له، ولا يهم إن كانت قصصاً حقيقية أو خيالية طالما أنها تقدم له إجابة عن مخاوفه بصيغة يمكنه فهمها. مثلاً عندما تقول له إنّ بابا نويل يقدم الهدايا للصغار كلهم، حتى الذين أساؤوا التصرف، فإن ذلك سيهدئ مخاوفه المرتبطة بقلق الانفصال عندما يكون في السن التي يخشى فيها من أن دوافعه العدوانية قد تحرمه حب من حوله. وعندما نترك له قطعة نقود تحت وسادته ونقول إن الفأرة أحضرتها له لأنه أسقط سناً فإن ذلك سيكون بمثابة مواساة له في خسارته هذه، وسيساعده على الانتقال من مرحلة عقدة أوديب إلى مرحلة التفكير المنطقي التي طالما أنه لم يصل إليها بعد فإنه بإمكان الأساطير والحكايات الخالية إرضاء حاجته إلى الاعتقاد بأنه يعيش في عالم يقدم الاحتواء والدعم”.

إيتي بوزان: “يتطلب تعزيز خيال الطفل أيضاً منحه ألعاباً تحفز إبداعه، وكلما كانت أبسط وأقل تطوراً أدت المهمة بطريقة أفضل. مثلاً قد يكون استخدام مرصد حقيقي مثيراً لكنه لن يحفز إبداعه، وأذكر هنا أن حفيدي يفضل اللعب بلفافة مناديل ورقية مزينة بورق السلوفان، وبهذه الطريقة يطلق العنان لخياله ويستمتع بصنع منظاره والتعديل عليه بنفسه كما يحلو له. من الضروري أيضاً مراعاة أن لكل طفل طريقته الإبداعية الخاصة به؛ إذ يتسم بعض الأطفال بأنهم أكثر حماسة لإظهار إبداعهم فيما يستمتع آخرون بالتأمل، ولا يعني ذلك أن أفكارهم أقل ثراءً لكن إبداعهم يتجلى في خيالهم أكثر من أفعالهم، وهذه الحالة التأملية ذات مغزىً ومتعة بالنسبة إليهم، فهم يمتازون بقدرتهم على البقاء بمفردهم والاستماع إلى العالم من حولهم ومراقبته بتمعّن. تتطلب تنمية مخيلة الطفل أيضاً السماح له بالشعور ببعض الملل من حين لآخر، لأنه سيضطر إلى إعمال خياله ليجد طريقة يسلي نفسه بها”.

قصص خيالية تساعد الطفل على فهم معنى الحياة

يرى مختص التحليل النفسي ومؤلف كتاب “التحليل النفسي للحكايات الخيالية” (Psychanalyse des contes de fées)، برونو بيتلهيم (Bruno Bettelheim) أن حكايات الأخوين غريم (Brüder Grimm) وشارل بيرو (Charles Perrault) ولويس كارول (Lewis Carolls) هي النوع الوحيد من الأدب الذي تسمح سيناريوهاته للطفل بالتعرف إلى تجارب الحياة من كثب، وإذا كانت شخصيات الجنية الطيبة أو الساحرة الشريرة أو الذئب الشره أو الملك العادل غير حقيقية، فإنها تساعد الطفل رغم ذلك على ترتيب أفكاره وعواطفه، وتجسيد رغباته الجامحة ودوافعه المدمرة ومخاوفه والمطالبات التي يمليها عليه ضميره. ففي قصة “عقلة الإصبع” (Tom Thumb) مثلاً، يتعلم أن التمتع بالاستقلالية والتغلب على قلق الانفصال يعني أنه ستتعين عليه بالمقابل مواجهة الكثير من الأخطار، أما في قصة “الأمير الساحر” (Prince Charming) فسيعرف أن الإنسان يتعلم بالمحاولة والخطأ ويُجزى على المثابرة.

المحتوى محمي !!