الاختفاء المفاجئ وعقلية المستهلك بالعلاقات العاطفية

الاختفاء
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

قد يتسبب الاختفاء المفاجئ لأحد الشريكين بعلاقة عاطفية إلى صدمة في الجانب الآخر. وتبقى كل العلاقات العاطفية معرضة لهذا النوع من السلوك سواءً كان الشريكان قد التقيا مرةً واحدةً أو عاشا معاً لعدة سنين، فمن منا لم يسمع عن زوج غادر “لشراء السجائر” ولم يعد؟ تعتقد المعالجة النفسية والمتخصصة في التبعية العاطفية “جيرالدين بريفو-جيغانت” أنه: “حتى لو لم تكن هذه الظاهرة جديدةً، فقد ساهمت وسائل التواصل الجديدة في مفاقمتها، فنقرة واحدة على جهازنا كفيلة بجعلنا أصدقاء، ونقرة واحدة كفيلة بإعادتنا غرباء.
ووفقاً لـ “جون-كلود كوفمان”: “يمكن أن يصبح النشاط الجنسي هواية مثله مثل أي هواية أخرى، العامل المشترك هو تحقيق المتعة الشخصية. أما بحالة الاختفاء بعد الالتزام بالعلاقة فترةً طويلةً، يؤيد الكثير من الناس المنطق الاستهلاكي التالي: يحددون “المنتج المثالي” الذي يجب أن يلبي توقعاتهم، ويكون هذا المنتج هو الشريك في هذا المثال، فإذا لم تنجح العلاقة ولم ينالوا مطلبهم بالتحديد، فلن يقبلوا هذا المنتج وسيعيدونه”.

الاختفاء

تحدّثنا سمر التي تبلغ من العمر 25 عاماً: “رافقته في صباح أحد أيام الاثنين إلى محطة القطار، فودعني وقال لي “وداعاً يا حلوتي، سأتصل بك عندما أصل”، وكانت هذه آخر جملة أسمعها منه”. تركها شريكها بعد عدة أشهر من ارتباطهما دون سابق إنذار. يسمى أسلوب الانفصال هذا الاختفاء، ويطلق عليه في اللغة الإنجليزية (Ghosting) التي تعني الشبح؛ إذ يختفي الشريك فجأةً دون أن تتمكن بعدها من الاتصال به أو مراسلته أو التواصل معه بأي طريقة وكأنه أصبح شبحاً، ويكون أشبه بالشخص المفقود لكنه لا يزال بخير وعلى قيد الحياة.

الأشخاص الذين يخافون الالتزام

تعرفت سامة إلى رجل عن طريق وسائل التواصل الاجتماعي، فصار يرسل لها كلمات غزل وعشق طوال اليوم لمدة ثلاثة أسابيع، مثل: “لقد اقتحمتِ قلبي دون استئذان”، “أنت الفتاة التي كنت أنتظرها طوال حياتي”، “وجودك بجانبي يملأ قلبي بالسعادة”. ذات يوم “لم نعد نطيق الانتظار لنلتقي” فقرر “في نزوة” منه أن يقطع مسافة 200 كيلومتر ليراها. “أمضينا أمسيةً رائعةً معاً، وأتذكر أنه لم يسمح لي بالغياب عنه ولا لحظة. ثم حل الصباح وتناولنا الإفطار معاً وشعرنا كأننا نعرف بعضنا منذ سنين. شكرني عند مغادرته على “هذه الأمسية الرائعة” وأخبرني أنه يتوق “لرؤيتي مجدداً في أقرب فرصة”. ولم يرد بعدها على أي رسالة أرسلتها له”.

بماذا يفكر الأشخاص الذين يتبعون أسلوب الاختفاء عند الانفصال؟

ما الذي يدفع الإنسان إلى ترك شريكه بهذه الطريقة؟ يوضح عالم الاجتماع “جون-كلود كوفمان” أن أبرز مشكلة يواجها الشريكان في بدايات العلاقة العاطفية الخوف من الالتزام؛ إذ يعلق: “عندما تكون علاقتنا في مرحلة التواصل عبر الإنترنت نظن أن قطع التواصل المفاجئ دون أي تفسير لا يجرح الطرف الآخر، وأننا لسنا ملزَمين بالالتزام أو تقديم أي تفسير على الإطلاق. لكن هذه ليست الحقيقية، فهذا التصرف يحطم الطرف الآخر. ومن ناحية أخرى، فعندما تكون قد التقيت بالشخص فعلاً وأمضيت معه فترةً من الزمن، يستحيل أن يخفى عنك أن المغادرة المفاجئة دون تفسير تعد اعتداءً حقيقياً على الآخر.

الاختفاء أسهل من المواجهة

الأشخاص الذين يعجزون عن المواجهة عند الانفصال هم أشخاص شديدو الخجل، وترعبهم فكرة إخبار شركائهم أنهم سينفصلون عنهم. تقول “جيرالدين بريفو-جيغانت”: “الاختفاء من حياة شريكهم أسهل بالنسبة لهم؛ لكنه يؤلم ضمير بعضهم”. وتكرر هذه الفئة من الناس هذا التصرف في شتى جوانب الحياة؛ في عملهم وعلاقاتهم مع أصدقائهم ومختلَف مجالات حياتهم. أمضت ألما ستة أشهر مع شريكها قبل أن يتركها دون سابق إنذار. “وصلت إلى وجهتي حبيبتي. ألقاكِ غداً. أحبكِ”. هذه آخر رسالة وصلتني منه”. ليست هذه المرة الأولى التي يفعل هذا بها، فقد قطع أي وسيلة تواصل معها قبلها ثلاثة أشهر لعدة أسابيع، فقالت بأسى: “لم تصدمني هذه المرة كما صدمتني المرة الأولى؛ لكن رغم ذلك شعرت بخيبة أمل لا توصف، فلا شك أنه كان يعلم هذه المرة كم يؤلمني رحيله بهذه الطريقة”.

يُتهم أشخاص كهؤلاء بالجُبن؛ لكن هل يكون معظم من يتبع هذا الأسلوب في الانفصال ذكوراً؟ هذا ما تعتقده “جون-كلود كوفمان”، وتفسر ذلك بقولها: “مع انتشار المغازلة على الإنترنت شهدنا الكثير من حالات النفعية/الاستغلال والعنف النفسي، وكان الذكور عموماً هم من يتسببون بهذا الأذى؛ إذ يستدرجون ضحيتهم إلى أن ينالوا مبتغاهم منها، وحينها يسارعون في المغادرة غير مكترثين بعواقب أفعالهم. وتذكر المحللة النفسية “سوفي كادالو”: “كما شهدت بعض النساء خلال جلسات الاستشارة يَلُمن أنفسهن لعجزهن عن توضيح موقفهن”.

متى لا يكون هناك مفر من الاختفاء؟

ومع ذلك؛ قد يبدو أحياناً في غمرة الموقف أن المغادرة دون تقديم أي توضيح هي المخرج الوحيد. يعلق “جون-كلود كوفمان”: “يصعب كثيراً إنهاء علاقة وإقناع نفسك أنك سترحل. فالشخص المغادر يشعر بأنه يُقتلع من العلاقة؛ لكن حتى لو كان هذا الأسلوب مؤلماً جداً فالبعض لا يجد غيره مخرجاً، فهم يفتقرون إلى الشجاعة اللازمة للمواجهة وهم يعلمون أنهم يتخلون عن كل شيء في تلك اللحظة. وتحلل “سوفي كادالو” ذلك بقولها: “في بعض الأحيان لا بُد لنا أن نسلك هذا السبيل للرحيل، لأننا نتصور أننا سنسحق تحت عبء مواجهة شريكنا لتقديم أي تفسير لرحيلنا”.

البحث عن توضيح لما جرى في ظلّ صمت الطرف الآخر

يترك من يختفي شريكه وحيداً حبيس تساؤلات لا تنتهي تجتاح ذهنه، والشخص الذي يرحل اختار سبيلاً تجاهل فيه شريكه كلياً، وتتوالى الأيام والحبيب لم يعد بعد. تعلق “سوفي كادالو”: “تكون حالة الشخص الذي هُجر كمن يحاول تسلق جدار زلق؛ وكأنه فاقد لأمر جوهري”. أحياناً يتساءل البعض عما إذا كان المغادر حياً أم ميتاً. الاختفاء بهذه الطريقة يشوش المرء، وتضيف “جيرالدين بريفو-جيغانت”: “يُفقد الاختفاء المرء الذي هجره شريكه ثقته بنفسه ويجعله يستخف بقيمته ويشعر بأنه منبوذ”.

بعد أربع سنوات من زواج ليندا هجرها زوجها فجأةً ولم تتلقَّ منه أي خبر منذ ثلاثة أشهر، لتلاحظ بعدها أنه أجرى عدة عمليات سحب مباشر للمال وتحويلات مصرفية، وتدرك أنه اشترك بأحد مواقع المواعدة وأنشأ حساباً مصرفياً ليبدأ حياةً جديدةً. “معرفتي بهذا دمرتني، وعجزت عن تجاوز الأمر. لا أعلم ما الخطأ الذي ارتكبته بحقه، ولا يفتأ هذا السؤال وغيره من التساؤلات عن الدوران في ذهني. أغرقت عقلي بعشرات الأسئلة التي ليس لدي أدنى فكرة عن إجاباتها”. ومع ذلك؛ إن تقبلك غياب الإجابات عن بعض الأسئلة وحده سيمنحك القدرة على رأب جراحك وترميم حطام نفسك؛ لكن لا تقع في فخ الإحساس بالذنب، أو مراجعة وتمحيص كل أمر فعلته وقلته والتفكير هل أخطأت بفعل كذا وقول كذا أو إذا ما كان عليك التعامل مع شريكك بأسلوب آخر.

هل للشريك المهجور ذنب في ما حدث؟

أول ردة فعل تتخذها ضحية الاختفاء لتبحث عن تفسير لما جرى هي محاولة خائبة بالتواصل مع الآخر، ويكون صمته مدمراً لها. في المراحل الأولى بعد اختفاء الشريك يذعر الكثير من الناس ويعتقدون أنه تعرض لحادث. تقول سمر: “أرسلت له أول رسالة ولم أتلقَّ أي إجابة. حاولت الاتصال به قبل أن أخلد إلى النوم دون أي إجابة. بدأت في اليوم التالي أشعر ببعض الانزعاج، فأرسلت له العديد من الرسائل النصية التي تحولت لهجتها من الغضب إلى عدم الفهم، ومن التملق إلى القلق”.

لكن الأمر الوحيد الذي يجب أن تتساءل عنه هو سلوكك. هل كنت بحالة إنكار، وهل تخيلت قصةً لم تكن موجودةً؟ تشير “سوفي كادالو”: “تشعر أحياناً أن ما كنت تعيشه مع الطرف الآخر وتسميه علاقةً ليس كذلك بالحقيقة، أو على الأقل ليس بالأهمية التي منحتها له. وفي الحالتين كنت الطرف الوحيد الذي عاشها واعتبرها كذلك”. ثم يجب أن نسأل أنفسنا بعض الأسئلة: ألم أغض طرفي عن تفاصيل لم أرغب في رؤيتها؟ ألم أبالغ في خيالي؟ إذا أجبنا أحياناً بنعم سنستطيع “تدارك” أخطائنا في المستقبل؛ كن متيقظاً أكثر في العلاقات المستقبلية، وأكثر وعياً بنفسك وعلاقتك بالآخر.

المرحلة التالية لاختفاء الشريك

تحدّثنا ألما: ليس من السهل ترميم الجوانب المتضررة من النفس والثقة بالآخرين مرةً أخرى بعد التعرض لهذا. صرت الآن لا أثق بأي شاب يبدي اهتمامه بي، فأفكر إنه قد يكون صادقاً في تلك اللحظة لكنه حتماً سيغير رأيه في نهاية الأمر، وسيهرب فجأةً دون تقديم أي توضيح مثله كمثل الآخرين. “ينبغي لنا أن نتقبل فكرة أننا لا نستطيع التحكم بجميع الأمور أو توقعها. “أسوأ ما قد يحلّ بشخص هجره شريكه أن يبالغ دائماً في حذره من الآخر. وتلاحظ “سوفي كادالو” أنك إذا كنت تنوي تجنب بعض الأمور في الحياة العاطفية منذ البداية، فإنك تعيق بذلك ارتباطك بأي شخص. أبقِ في ذهنك أن القسوة الشديدة لهذا الانفصال لم تحدث إلا لضعف الشخص الذي رحل في المواجهة، ولا يعني ذلك أن كل شخص سترتبط به سيحمل صفة الضعف هذه ويغادر بنفس الطريقة”.

اقرأ أيضاً: إعلان الانفصال من خلال رسالة قصيرة أو بريد إلكتروني أو عبر فيسبوك