5 أسباب للضحك في مكان العمل

الضحك
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

يُحجِم موظفون كُثُر عن إظهار حسّهم الفكاهي في مكان عملهم مخافة أن تهتزّ صورتهم أمام مُدرائهم. في هذا المقال سنستعرضُ كيف من شأن الضّحك وفق معايير معينة، أن يعود بالنفع على الشّركة والموظفين معاً.
هل تُعدّ الفكاهة حاجةً حيوية؟ يؤكّد مؤلفا كتاب “معاهدة للضحك في مكان العمل” (Petit Traité de l’humour au travail)، دافيد أوتيسييه (David Autissier) وإيلودي أرنيغي (Élodie Arnéguy) إن 96% من الموظفين “لا يجدون غنىً عن المزاح، فهو بالغ الأهمية”، ومع ذلك يظل عدد من يمارسه منهم قليلاً جداً خشية الظّهور بمظهرٍ الأخرق في حال أطلق نكتةً أو دعابة دون أن تُفلِح في إضحاك الآخرين، أو أن يحصل العكس؛ أن تُسبب تَجُّهم مدير لا يتفهم هذا النوع من التباسط في التعامل. فهل ينبغي على المرء أن يخفي نفسه باستمرار تحت قناع الجِدّيّة لإثبات التزامه في العمل؟ يجيب عالم النفس والرئيس التنفيذي لمكتب أكسي موندي (Axis Mundi) للاستشارات الإدارية، باتريك أمار (Patrick Amar) عن هذا التساؤل بقوله: ” ترّسخت في اللاوعي الجَمعي صورة نموذجية وقورة عن المدير”، ولذلك يفكر الموظّف ألفَ مرّة قبل أن يتلفظ بأي دعابةٍ أو يبادر بالمزاح، وهذا التردد الطويل ينتهي بالكثير منهم إلى صرف النّظر.

وأمام الموظّف حلان لِفَكِّ عقدة اللسان هذه، إما انتظار ترقيته في السلّم الوظيفي، فكما يقول باتريك أمار ساخراً:”كلما نلتَ أقدمية في وظيفتك وتدرَّجت في المسؤوليات أبدى فريق عملك استعداداً للضحك”. الحلّ الثاني أن تجسَّ نبض مديرك، فإذا وجدته من النّوع العبوس يُفضل أن تقتصد في الضّحك وتجعله مقتصراً على زملائك المقربين، إما إذا كان من النوع مُنبَسط الأسارير، فبادر وجرّب حظك! لكن حذارِ من إطلاق النكت المبتذلة أو النوادر ذات المحتوى العنصري، ففي فرنسا مثلاً يأخذ الحسّ الفكاهة طابعاً جارحاً إذ يرتكز على السّخرية من الآخرين أكثر من السخرية من النفس. وسخرية كهذه تُعدّ أسهل بكثير من تلك الموجهة نحو الذات لكنها الأقلّ إضحاكاً للآخرين وقد تحطّمهم؛ إذ يقف المرء مكتوف الأيدي غير قادر على الدفاع عن نفسه أمام ملاحظةٍ جارحة غُلِّفَت بالمزاح وهو ما يجعل الفكاهة تحيد عن غايتها وتتحول إلى نوع من أنواع المضايقات! توضح المدربة ومؤسسة مكتب هاي (HaY) للتدريب، ياسمينا هاردي (Yasmina Hardi) بقولها:” على الضحك في مكان العمل أن يكون رفقة الآخرين لا عليهم”.

ولذلك يوصي باتريك أمار بأن “نقتدي بالأنجلوساكسونيين (Anglo-Saxons) وقدرتهم على السّخرية من الذات وتكييفها لتلائم بيئة العمل” إذ من شأن السخرية المُهذبة من الذات أن تكسر الحواجز وتذيب الفروقات، وهي إلى جانب ذلك لا تعرض أي شخص للإهانة كما أنها أثبتت نجاعتها في منح المرء القدرة على رؤية ذاته رؤيةً نقدية؛ كما أنها تمهيدٌ لتقبلّ التندُّر لاحقاً بالأنا الجماعية التي ينضوي تحتها فريق عملك أو شركتك بأكملهما.

1. وسيلة لتمرير الرسائل

بوسع الفكاهة أن تقلب الموازين وتُحدث فرقاً مهولاً في مسيرة المرء المهنية. وفي هذا الصدد، يعزو رئيس فرع مجموعة لوريال (L’Oréal) بمنطقة شوفيلي-لوري، ديدييه بوش (Didier Bouche) شطراً كبيراً من نجاحه للفكاهة، ويشرح كيف حصل ذلك بقوله: “من دونها ما كنتُ لأحتلّ كل هذا المكان!”. يقولُ المدير الذي لا يبدو أن طوله يتخطّى المتر وستين سنتمتراً، ثم يوضّح قصده بالقول: “ولأني لن أستطيع الاعتماد على بنيتي الجسدية لإثارة الإعجاب وكَسب الآخرين، فقد تعلّمت كيف أجعل من الفكاهة القناة التي أمرر عبرها الرسائل التي أريدها أن تصل وأحلّ النزاعات وألطّف الأجواء” وهو ما تؤكده ياسمينا هاردي بقولها:” يُقوي الضحك اللُّحمة الاجتماعية ويجمَع بين الناس”. تشارك المحامية الشابة مرام تجربتها مع مهنتها التي دَشّنتها بدخولها “مقرّ عملي جامد، فأنا محاطة بزملاء عمل كئيبين ذوي أمزجة متقلبة لا يمكن التنبؤ بها!”. ولذلك حين تركت ذلك المكان لتشتغل في مكتبٍ آخر ظلّت تترقّب يومَ ارتكبت خطأ إملائياً فادحاً وغير مقصود في أحد الملفات المهمة، أن يُسقط عليها المدير عقاباً وخيماً. تحكي مرام عن ذلك مرام بدهشةٍ لم تفارقها قائلةً:” لكن عوضاً عن ذلك ردّ بقوله إنه يجد ما حصل مضحكاً!” ذلك أنه مدرك تماماً ما للفكاهة من فوائد تعليمية، وتختِمُ المحامية الشابّة الحديث عن تجربتها بالقول: “يكفي ارتكاب خطأ طفيف في بعض مكاتب المحاماة الأخرى لتثور ثائرة المدير ويصبّ عليّ جام غضبه؛ ما يترتّب عنه في النهاية بث الذعر في قلب شابة مبتدئة ستجد نفسها غير قادرة على الإنتاج بفعالية لأسابيع طويلة”، فيما بوسع الضّحك والمزاح أن يمرّرا الرسائل دون التسبب في إذلال الآخر أو التسبب بصدمةٍ له.

2. وسيلة لمكافحة الاحتراق الوظيفي

لحُسن حظّ مرام فقد وجدت نفسها لاحقاً في مكتب محاماة مُضحك فعلاً، فرئيسها وسام يعشق الضحك لدرجة جعلته يختار الزواج من “اختصاصية محترفة في الضحك” هي مؤسِّسة المدرسة الدولية للضحك، كورين كوسرون (Corinne Cosseron)، فلا مكان في مكتبه لأي وجه عابس! يشرح كيفية توظيفه للمزاح في عمله قائلاً: “مع العملاء مثلاً، أسخرُ من دفاع الخصم، أما بين فريق العمل فأتلاعب بالكلمات”. تؤكد مرام ذلك بقولها: “لا نشعر بمرور الوقت في العمل كما نكون أقلّ توتراً”.

3. وسيلة للاندماج

من الصعب على المرء أن يضحك وحيداً، فلا يكتملُ الضحك إلا بمشاركته مع الغير. يشير الخبير في الوكالة الوطنية للتحسين من شروط العمل، جوليان بولوتييه (Julien Pelletier) إلى أن:” إحدى فوائد الضحك أنه يحجز لنا مكاناً داخل المجموعة ويحدد قيماً ومعايير مهنية مشتركة، ويضع سياساتٍ ناجحة لمباشرة العمل وإدارة العلاقات التراتبية داخل مكان العمل”. فهو ليس مسألةً تافهة؛ إذ تظهر أهميته البالغة عند إعادة تنظيم الشركات أو هيكلتها حيث بوسع حسّ الفكاهة في الفريق في حال وُجِد أن يُقلّل من حالة الضياع التي قد تنتاب الموظفين ومن تبعاتها، فتأتي الفكاهة لتُذكّر الموظف أنه ليس وحيداً وأن الجماعة التي اعتاد العمل داخلها ما تزال قائمة.

4. وسيلة للمقاومة

يتحول المزاح أحياناً إلى “سلاح”؛ أي وسيلة ضغطٍ توجَّه ضد طريقة إدارة تنتهج طرقاً غير فعالة، فالكاريكاتير والمسرحيات الهزلية والرسومات والكلمات المختارة بعناية أمَضى من السّيف وأكثر قوّة من صراعٍ بلا نهاية. لا يتردد نقيب موظّفي إحدى مؤسسات السكن الاجتماعي، عزيز في رسم ابتسامة على وجهه حين يجلس إلى طاولة المفاوضات، ويؤكد: “يجد الآخرون صعوبة في مقارعة حجتك حينما تُقدمها بدهاء!”. كما يُدلي ديدييه بوش برأيه في الموضوع نفسه قائلاً: “لا غنى عن المزاح، فهو يسمح بالجَهْر بالكلام الحبيس، وقول “لا” حين يلزم قولها”.

5. وسيلة للرفع من فاعلية العمل

للضحك في مكان العمل دور مهم في الرفع من إنتاجية الموظفين وإبداعهم، وقد أثبِتَ ذلك. إذ يتحدث كل من دافيد أوتيسييه و إيلودي أرنيغي عن استطلاع رأي أجراه قبل سنوات الأستاذ في جامعة بوكوني بميلانو، مارك سامبييرو (Marco Sampietro)؛ حيث طُرح ما يقارب 2,000 موظف توزّعوا بين ألمانيا والولايات المتحدة الأميركية والمملكة المتحدة واليابان وفرنسا وقاد إلى نتائج مذهلة: “يعزّز المزاح من أداء الفريق” وهذا الاسترخاء الذي يولّده الضحك يجعلهم أكثر قابلية للإبداع. يطبق وسام هذا المبدأ بحذافيره، فعندما يستصعب المحامون الذي يعملون بمكتبه استراتيجية دفاعٍ مُقترحة يعمد إلى تحويلها إلى مشهدٍ كوميدي؛ إذ يقول: “يُولّد ذلك أفكاراً جديدة ويُحرك المياه الراكدة!”.

دروس تقوية في الضحك

إن استعصى على أفراد الشركة أن يبادروا بالضّحك فيمكن اللجوء إلى مساعدةٍ خارجية لتحقيق هذه الغاية. فعلي سبيل المثال؛ ينظم المهندس سيرج غرودزينسكي (Serge Grudzinski) حصص “ضحكٍ تشاركية” لفائدة الشركات، وترمي فقرته الكوميدية التي تأخذ شكل عرض الشخص الواحد (one-man-show) إلى إلهاب حماس الفِرق وتقريب الاستراتيجيات وإيضاحها وتسهيل التغيرات الطارئة، فإذا كان لا بُد أن نضع أيدينا على الجرح، فلنفعل ذلك ونحن نضحك! في المقابل لا تؤدي كورني كوسرون عروضاً كوميدية؛ إذ تشرح مؤسِّسة المدرسة الدولية للضحك التي تقدم دوراتٍ لفائدة الشركات هي الأخرى مقاربتها بالقول: “في ورشاتنا نعيد توطين الضحك في أجساد الناس”. فالضحك، رغم أنه حركي وجسدي بشكل كامل، له منافع طبية تم إثباتها كالتخفيف من التوتر وخفض ضغط الدم وإفراز الإندروفين والرفع من الثقة في النفس؛ وهو ما يؤكده مُسَيّر فندق ميركير (Mercure) بباريس الذي خاض فريق عمله هذه التجربة، فيليب ماركاند (Philippe Marchand) بقوله: “حين أخذنا نضحك جماعياً، خلق ذلك رابطة خاصة، وسمح للموظفين الجُدد بالاندماج بسهولة وسلاسة في الفريق، وقوّى الروابط بيننا لا سيما وقد مررنا مؤخراً بفترة عمل ضاغطة”. يُعتبر الضحك دون سببٍ ودون أن تُحفزه نكتة معدياً؛ كما تدرك كورين كورسرون أن الضحك في ورشاتها عابر إذ لن تلبث الحياة اليومية بعد نهاية الدّورة أن تعود لتستأنف دورة ضغوطاتها، “ولذلك نمنح المشاركين بعض الأغراض الصغيرة كأنف مُهرج أحمر، هي طريقة لتستمرّ أهداف هذه الورشة حتى بعد انقضائها، حين تقع أعينهم لاحقاً على تلك الأغراض فيتذكرون الورشة وترتسم الابتسامة على وجوههم”.