كيف تؤثر مضادات الاكتئاب على جودة الحياة المرتبطة بالصحة؟

مضاد الاكتئاب
استمع الى المقالة الآن هذه الخدمة تجريبية
Play Audio Pause Audio

عموماً؛ تزايدت أعداد الأشخاص الذين يتم تشخيصهم بأحد أنواع الاكتئاب، ويتفق هذا التزايد مع كثير من الأحداث التي مرّت بالعالم كلّه ولا تزال تُلقي بظلالها عليه وعلى جودة الحياة والصحة والرفاه الممكن تحقيقها.

وبدون أن نقع ضحية تكرار الأرقام المليونية التي يتم تحديثها بشكل سنوي؛ يكفي أن نفهم معاناة ملايين الأشخاص من حول العالم مع هذا الاضطراب النفسي الشائع الذي لا يبدو أن لديه تفضيلاً بين الصغار أو الكبار والذكور أو الإناث.

وفي حين أن الرعاية النفسية المختصة تواجه تحديات متعددة قد لا تسمح بتنوع الأساليب والخطط العلاجية والابتكار، فقد يسود الاعتقاد بين عامة الناس أن مضادات الاكتئاب الدوائية المتعارف عليها بين المختصين قد تكون حلاً أمثلَ؛ إلا أن ذلك لا يبدو صائباً في كل الأحوال!

وفي ضوء ما سبق يجب التنويه إلى أن النتائج البحثية التي سيتم التطرق إليها لا تتعارض مع نجاح وفعالية الوصفات الدوائية المتعددة إلى جانب حقيقة ضرورة تناولها لمدة من الزمن بالنسبة لبعض الأشخاص الذين عانوا أو يعانون من أحد أنواع الاكتئاب.

بالتالي نهدف إلى إيضاح جانب حديث قد يُغير من تعاملنا مع مضاد الاكتئاب من خلال التعرف على حجم السوق العالمية ومستقبله، وأثرها على تحسين جودة الحياة المرتبطة بالصحة وما يمكننا تعلمه من نتائج أحدث الدراسات العلمية.

الاعتماد على مضاد الاكتئاب

شَهِدت الأسواق العالمية زيادة ملحوظة خلال السنتين الأخيرتين في كمية الطلب على أنواع كثيرة من مضادات الاكتئاب، بحسب منصة “بزنس واير” (businesswire) نقلاً عن “تقرير السوق العالمية لمضادات الاكتئاب لعام 2021: تداعيات كوفيد-19 والنمو حتى عام 2030″.

وقد نشرت “بزنس واير” في 26 أبريل/نيسان 2021 تقريراً تصف فيه أن الارتفاع الضخم في الطلبات واجهته في المقابل زيادة في الإنتاج والتخزين؛ ما أدى إلى وصول سوق مضادات الاكتئاب العالمي إلى نحو 26.25 مليار دولار في عام 2020.

ومع توقّع تراجع هذا النمو الكبير؛ تشير الأرقام إلى أنه من المتوقع أن يصل سوق مضادات الاكتئاب العالمي إلى نحو 21.28 مليار دولار في عام 2025 بمعدل نمو سنوي مركب (Compound Annual growth rate) يبلغ نحو 7.6%.

هل تُحسِّن مضادات الاكتئاب جودة الحياة المرتبطة بالصحة؟

في ظل الأرقام الضخمة السابقة؛ تساءل باحثون من المملكة العربية السعودية عن أثر مضادات الاكتئاب في تحسين جودة الحياة المرتبطة بالصحة (Health-Related Quality Of Life) على المدى القصير والطويل.

ففي دراسة نُشِرَت في 20 أبريل/نيسان 2022 لصالح مجلة “بي إل أو إس ون” (PLOS One) وقام بها فريق بحثي من جامعتيّ الملك سعود والملك سعود بن عبد العزيز للعلوم الصحية ومدينة الملك عبد العزيز الطبية ومركز الملك عبدالله العالمي للأبحاث الطبية بالتعاون مع جامعة “نوفا ساوث ويسترين الأميركية”.

استخدم الباحثون بيانات من لوحة المسح الأميركي للنفقات الطبية (United States Medical Expenditure Panel Survey) تعود للفترة بين 2005 و2016؛ والتي تحوي معلومات عن الخدمات الصحية التي تحصّلت عليها العوائل الأميركية المشمولة في البيانات.

وللإيضاح أكثر؛ تُقدِّم لوحة المسح الأميركي للنفقات الطبية واختصارها “إم إي بي إس” (MEPS)، مجموعة من الدراسات الاستقصائية الشاملة للعائلات والأفراد ومقدمي الخدمات الطبية وأصحاب العمل في جميع أنحاء الولايات المتحدة الأميركية.

وتُعتبر أيضاً المصدر الأكثر اكتمالاً للبيانات المتعلقة بتكلفة واستخدام الرعاية الصحية وتغطية التأمين الصحي، وتتبع لوزارة الصحة والخدمات الإنسانية الأميركية.

بحسب الدراسة؛ أظهرت البيانات التي تتعلق بالاكتئاب حصول نحو 17 مليون بالغ أميركي بصورة سنوية -في المتوسط- على تشخيص يؤكد الإصابة بالاكتئاب إلى جانب خضوع هؤلاء لعامين من المتابعة.

وبالمثل؛ وجد الباحثون أن نحو 57% من أولئك الذين خضعوا للدراسة قد تلقوا الأدوية المضادة للاكتئاب.

وشكلت النساء الغالبية فيما يخص عدد الأفراد المشخصين بالاكتئاب بنسبة تزيد عن نحو ثلثيّ المشاركين في البيانات، كما كُنْ الأكثر فيما يخص تناول الأدوية المضادة للاكتئاب بنحو 60.5% مقارنةً مع نحو 51.5% من نظرائهن الذكور.

اقرأ أيضا:

هل تتأثر جودة الحياة المرتبطة بالصحة على المدى القصير؟

أوضح الباحثون أن الاكتئاب يؤثر سلباً على جودة الحياة المتعلقة بالصحة بين المرضى، ويمكن ربط ذلك بسلوكيات غير صحية أو تتسم بخطرها على صحة الإنسان الجسدية والنفسية والعقلية كالخمول والإفراط في تناول الطعام والتدخين وعدم الامتثال للوصفات الدوائية، خصوصاً على المدى القصير.

بالإضافة إلى ذلك؛ قد يؤدي تزامن الاكتئاب مع بعض الأمراض المزمنة الأخرى إلى حالة أسوأ من جودة الحياة المتعلقة بالصحة، كما وجد العلماء لدى مرضى السكري وارتفاع ضغط الدم والربو والسرطان.

لذا قد يؤدي فحص الاكتئاب وعلاجه لدى هؤلاء المرضى إلى تحسين جودة الحياة المتعلقة بالصحة وتقليل التكلفة الطبية الإجمالية عند إدارة المرضى الذين يعانون من هذه الحالات.

ماذا عن جودة الحياة المرتبطة بالصحة على المدى الطويل؟

قارن الباحثون التغييرات في جودة الحياة المرتبطة بالصحة التي أبلغ عنها الأميركيون المصابون بالاكتئاب والذين تناولوا مضادات الاكتئاب على مدار عامين، بالتغييرات التي أبلغ عنها أولئك الذين لديهم نفس التشخيص ولم يتناولوا الأدوية.

والجدير بالذكر أن هذه الدراسة لم تجد فروقات ذات دلالة إحصائية تبرهن تغيرات ملحوظة في جودة الحياة المرتبطة بالصحة؛ ما أشار إلى أن الأدوية المضادة للاكتئاب قد لا تحسن نوعية الحياة على المدى الطويل.

نتيجة لذلك؛ توصّل العلماء بعد تحليل ودراسة البيانات إلى أن التأثير الواقعي لمضادات الاكتئاب الدوائية لا يستمر في تحسين جودة الحياة المرتبطة بالصحة على المدى الطويل.

ونصح الباحثون بضرورة تقصّي أثر مضادات الاكتئاب من خلال دراسات لا تتبع النهج التقليدي المتمحور حول دراسة الأثر على المدى القصير، إلى جانب ضرورة الاستمرار في تناول الأدوية وفقاً لتوجيهات المختصين وتحقيقاً للفوائد قصيرة الأجل!

ما الذي يمكننا تعلمه عن أثر مضادات الاكتئاب؟

في أحدث تعليق صحفي نُشِرَ في صحيفة ”ذا نيويورك تايمز“ (NYT) بتاريخ 21 أبريل/نيسان 2022، قالت الباحثة وعالمة النفس في جامعة كلية لندن البريطانية، جيما لويس أن معظم التجارب السريرية الدوائية عادةً ما تتبع أثر مضادات الاكتئاب لمدة 8 – 12 أسبوعاً فقط.

بالتالي فهذه الدراسات لا تستطيع تحديد ما قد يحدث عندما يتناولها المرضى لفترة أطول من ذلك.

وبالإضافة إلى ذلك؛ تقول مديرة الشؤون الطبية في ”بيغ هيلث“ (Big Health) للرعاية الصحية النفسية والعقلية، للطبيبة جولييت كليندون في منصة ”هيلث لاين“ (Healthline): ”وفقاً لإرشادات الجمعية الأميركية للطب النفسي يجب استخدام مضادات الاكتئاب لمدة 4 أو 5 أشهر على الأقل بعد توقف أعراض الاكتئاب”.

كما أضافت الطبيبة كليندون: ”نظراً لمحدودية الوصول إلى العلاج الذي يقدمه معالج نفسي مختص؛ غالباً ما يتم استخدام الأدوية لفترات أطول لإدارة الاكتئاب أو حالات الصحة النفسية والعقلية الأخرى”.

وما يجب الالتفات إليه بحسب حديث كليندون هو أن: “البيانات الحديثة أظهرت أن أقل من 22% فقط من المرضى باضطرابات نفسية وعقلية سيحصلون على رعاية غير دوائية من خلال معالج نفسي مختص” نظير العديد من التحديات التي تعاني منها الرعاية النفسية المختصة حول العالم.

ختاماً؛ قد يختلف أثر مضادات الاكتئاب بحسب الفرد وجنسه وطبيعة حياته ونوع الدواء والكثير من العوامل الأخرى التي قد تتزامن مع فترة تنفيذ الخطة العلاجية.

في نفس الوقت؛ يجب ألا ننسى إمكانية ما تذكره لنا هذه الدراسة من توقّف أثر بعض أدوية الاكتئاب في تحسين جودة الحياة المرتبطة بالصحة على المدى الطويل.

لذا؛ يجب أن نفكر بصورة جديّة في تنويع الأساليب والخطط العلاجية وتحفيز الابتكار وإتاحة العلاج النفسي المختص على المدى الطويل مع الوصفات الدوائية أو كبديل عملي وعلمي لها!